تقرير بحث السيد كمال الحيدري لعلي حمود عبادي
354
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية )
تحديد مفاد البراءة وبعدَ أن اتّضحَ أنَّ البراءةَ تجري عند الشكِّ ؛ لوجودِ الدليل عليها وعدمِ المانع ، يجبُ أن نعرفَ أنّ الضابطَ في جريانِها أن يكونَ الشكُّ في التكليف ؛ لأنّ هذا هو موضوعُ دليلِ البراءة . وأمّا إذا كان التكليفُ معلوماً والشكُّ في الامتثال ، فلا تجري البراءةُ وإنّما تجري أصالةُ الاشتغال ؛ لأنّ الشغلَ اليقينيَّ يستدعي الفراغَ اليقينيّ . وهذا واضحٌ على مسلكِنا المتقدمِ القائلِ بأنَّ الامتثالَ والعصيانَ ليسا من مسقِطاتِ التكليف بل من أسبابِ انتِهاءِ فاعليّتِه ، إذ على هذا المسلك لا يكونُ الشكُّ في الامتثال شكّاً في فعليّةِ التكليف ، فلا موضوعَ لدليل البراءةِ بوجه . وأمّا إذا قيلَ بأنّ الامتثالَ مِن مسقِطاتِ التكليف ، فالشكُّ فيه شكٌّ في التكليف لا محالةَ . ومن هنا قد يُتوهّمُ تحقُّقُ موضوعِ البراءةِ وإطلاقُ أدلّتِها لمثل ذلك ، ولابدَّ للتخلّص من ذلك : إمّا من دعوى انصرافِ أدلّة البراءةِ إلى الشكِّ الناشئِ من غير ناحيةِ الامتثال ، أو التمسّكِ بأصلٍ موضوعيٍّ حاكم ، وهو استصحابُ عدمِ الامتثال . ثمّ بعد الفراغِ عن الفرقِ بينَ الشكِّ في التكليف والشكِّ في الامتثال - أي : المكلّفِ به - باتخاذ الأوّلِ ضابطاً للبراءة ، والثاني ضابطاً لأصالة الاشتغالِ ، يقعُ الكلامُ في ميزان التمييزِ الذي به يُعرفُ كونُ الشكِّ في التكليف لكي تجري البراءة . وهذا الميزانُ إنّما يرادُ في الشبهات الموضوعيةِ التي قد يحتاجُ التمييزُ فيها إلى دقّةٍ ، دون الشبهاتِ الحكميةِ التي يكونُ الشكُّ فيها عادة شكّاً في التكليف كما هو واضح .